الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

36

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

البروق وخيلوا نزول الأمطار على أوطانهم ، سرعان ما يقفلون راجعين إليها بماشيتهم ، التي هي مصدر حياتهم ، تصحبهم فرحة العودة إلى أرض الوطن ، ونغمة الأهازيج تطربهم ، والحداة تزيد من نشاطهم وهكذا دواليك . ولعل أجداد المؤلف قد فضلوا المقام بتلك الأصقاع ، لأنهم قد آنسوا عن أوطانهم بديلا ولقوا أهلا بأهل وجيرانا بجيران ، ولأن يوسف نفسه قد رزق مالا كثيرا وثروة طائلة ، لا سيما من الماشية ، التي كانت لذلك التاريخ وإلى اليوم في بلدنا المنكود ، المصدر الوحيد لنقل البضائع والأثقال بين عواصم اليمن وقراه ، واستمع إلى قول المؤلف يحدثنا عن وقوع أهله في هذه الأوطان قال : والذي نقل من المراشي من هذا البيت ، داود في آخر عمره هو وابنه يوسف لاحقين بإخوتهم من بني الأزهر بن جزيل ، فخالطوهم مع بلحارث بالرحبة يسيمان فيها مالهما وبرجابة وبصدور الخشب دهرا ، ثم سكن يوسف صنعاء في آخر عمره وحمل بها هو وأولاده وكان لهم بصر بالإبل لم يكن لأحد من العرب » . ولما سكن يوسف صنعاء ، كانت بطبيعة الحال ، انطباعات البادية لا تزال مستحكمة في عقليته ، فلم تخلبه مدينة صنعاء وتقاليدها وبريق حياتها الصاخبة فلم يأخذ منها إلّا ما يلائم ذوقه ويناسب فاكرته ، كما كانت حياة ولده يعقوب مزيجا بين حياة البادية التي عاش فيها مع أبيه يوسف ، وبين حياة صنعاء الناعمة ، والتي كانت تموج بالآفاقيين القادمين من العراق والأقطار العربية الشقيقة ، من سلالة القبائل اليمنية التي ساحت أيام الفتح الإسلامي ، وتركت في وطنها بقية من أسرهم وأهليهم . إن حياة العاصمة صنعاء جعلت من يعقوب رجل فهم وتعقل وتقدير للظروف وملابسات الأشياء ، وأن يتصل بذوي الفقه والمعرفة ، وأن يلتقي بهم في المساجد والمنتديات ، وفي أيام المهرجانات كالأعراس والأفراح ، ومواسم الأعياد ، هذه كلها أضفت عليه عاطفة أملت عليه الاهتمام بتربية ابنه أحمد تربية سليمة ، ترتبت عليها أن غمس يده في بحر المعرفة واغترف من منهل العرفان ، وتتلمذ للعلماء وجالس الأدباء واستفاد إفادة عادت على ولده المؤلف ، بأن جنى ثمارها وأصبح علما يستضاء به ومنارا يهتدي بهديه . والولد أول ما يستفيد من أبيه ويستجيب لصوته ، فينضح من دلوه ويملأ من إنائه ، ويجب أن يقلده في كل شيء ، ويترسم خطاه ويتمثل بأخلاقه ويحاكيه في أقواله وأفعاله إذ الولد « سر أبيه » لا سيما إذا كان للأب منزلة عالية في مجتمعه وبين معشره وقومه ، وبهذه السمات اكتسب أبو محمد من أخلاق والده الذي أصبح كعالم ومرشد ، مؤهلات الطموح والعزة والنزوع إلى حب العلوم والتطلع إلى غرائب الفنون ، والعزوف عن الخمول وحياة الانكماش والاتكال .